في هذا المقال سنحاول أن نبني تصورًا مفهوميًا مبسّطًا يوضح الفرق بين ثلاثة أنماط أدبية متقاربة: الحكاية، والقصة، والرواية.
فهذه الأنماط، وإن اختلفت في الطول والبناء وطريقة التلقي، فإنها تلتقي في أصل واحد هو: السرد.
أولًا: ما الذي يجمع الحكاية والقصة والرواية؟
تشترك الحكاية والقصة والرواية في عدد من العناصر الأساسية، من أبرزها:
- وجود سرد أو حكاية تقوم عليها البنية العامة للعمل.
- وجود شخصيات إنسانية، أو كائنات مؤنسنة تتفاعل كما يتفاعل البشر.
- إمكانية احتوائها على حوارات قصيرة أو طويلة بين الشخصيات.
- وقوع أحداثها في أماكن حقيقية أو متخيّلة.
- امتلاكها مسارًا عامًّا يبدأ من نقطة، ويتطور في الوسط، ثم ينتهي عند خاتمة ما.
غير أن هذه المشتركات لا تعني أن الأنماط الثلاثة شيء واحد؛ فلكل نمط طبيعته، وحدوده، وطريقة اشتغاله على الحدث والشخصية والزمن.
السرد: العمود الفقري للأنماط الثلاثة
قبل أن نميّز بين الحكاية والقصة والرواية، لا بد أن نتوقف عند مفهوم مهم، هو السرد؛ فهو العمود الفقري الذي تقوم عليه هذه الأنماط جميعًا.
فمن دون سرد لا تكون هناك حكاية، ولا قصة، ولا رواية.
ويمكن تعريف السرد، ببساطة، بأنه: تتابع الأحداث والوقائع التي تُحدث تغييرًا في أحوال الشخصيات أو في مسار العالم الذي تتحرك فيه.
فقد يكون السرد عن علاقة تبدأ بلقاء وتنتهي بزواج، أو عن سفينة تغرق في البحر، أو عن رجل يخرج بحثًا عن شيء ثم يعود وقد تغيّر من الداخل. وفي كل هذه الأمثلة نجد أحداثًا تبدأ عند نقطة في الزمن، ثم تمضي عبر سلسلة من التحولات، حتى تصل إلى نهاية ما.
والسرد، بطبيعته، لا يتكوّن دائمًا من أحداث كبرى فقط؛ بل هو خليط من الوقائع المهمة والتفاصيل الصغيرة. فبعض الأحداث يدفع العمل إلى الأمام، وبعضها يكشف الشخصيات، وبعضها يخلق الجو العام الذي تتحرك فيه الحكاية.
ثانيًا: كيف نميّز بين الحكاية والقصة والرواية؟
يمكن، على سبيل التبسيط، التمييز بين الأنماط الثلاثة على النحو الآتي:
الحكاية
الحكاية عمل أدبي قصير، ارتبط في الغالب بالمشافهة والتناقل الشفهي. فهي تُروى عادة في مجلس، أو على لسان راوٍ، أو ضمن سياق اجتماعي أو تعليمي أو ترفيهي.
وغالبًا ما تكون الحكاية محدودة في الطول، بحيث يمكن إلقاؤها في دقائق معدودة، إلا إذا كان الراوي محترفًا وقادرًا على إطالة السرد وتشويق السامعين.
وتعتمد الحكاية عادة على بساطة البناء، ووضوح الحدث، وسهولة انتقالها من شخص إلى آخر، ولذلك نجدها حاضرة في التراث الشعبي، وحكايات الجدات، والأساطير، والأمثال، والقصص المتناقلة بين الناس.
القصة
القصة عمل أدبي قصير مكتوب، أكثر تكثيفًا وتنظيمًا من الحكاية الشفهية. وهي محدودة عادة في امتدادها السردي، وفي عدد شخصياتها، وفي مساحة الزمن والمكان التي تتحرك داخلها.
وغالبًا ما تدور القصة حول حدث واحد، أو لحظة كاشفة، أو موقف إنساني محدد. ولذلك فهي لا تحتاج إلى عوالم واسعة ولا إلى عدد كبير من الشخصيات، بل تقوم قوتها على التركيز والاختزال والإيحاء.
ويمكن أن يتراوح طول القصة، على سبيل التقريب، بين 350 و3500 كلمة، مع بقاء العبرة الأساسية في طبيعة البناء لا في عدد الكلمات وحده.
الرواية
الرواية عمل سردي طويل، أكثر اتساعًا وتعقيدًا من القصة والحكاية. فهي تتيح للكاتب بناء عالم كامل، وتحريك عدد أكبر من الشخصيات، وتطوير أكثر من خط سردي، والانتقال بين أزمنة وأماكن متعددة.
ولا تقوم الرواية على حدث واحد بالضرورة، بل قد تتضمن شبكة من الأحداث والعلاقات والتحولات. كما تمنح الكاتب مساحة أوسع للتفصيل، وبناء الخلفيات، واستكشاف الشخصيات من الداخل، وتتبع تغيرها عبر الزمن.
ومن حيث الطول، لا يوجد حد نهائي صارم للرواية، غير أن كثيرًا من الروايات، خصوصًا لدى الكتّاب المبتدئين والهواة، تقع غالبًا ضمن نطاق واسع قد يبدأ من نحو 35 ألف كلمة، وقد يمتد إلى مئات الآلاف من الكلمات.
خلاصة
يمكن القول إن الحكاية والقصة والرواية تنتمي جميعها إلى بيت واحد هو بيت السرد، لكنها لا تسكن الغرفة نفسها.
فالحكاية أقرب إلى الصوت والمشافهة والذاكرة الشعبية.
والقصة أقرب إلى التكثيف واللحظة المركزة.
أما الرواية فهي فضاء رحب يتسع للعوالم والشخصيات والتحولات الطويلة.
وبقدر ما يفهم الكاتب الفرق بين هذه الأنماط، يصبح أكثر قدرة على اختيار الشكل الأنسب للفكرة التي يريد التعبير عنها.

0 تعليق