tooltip text
وادي الحـــب
وادي الحـــرف
وادي المعــرفة
وادي الإلهــــــام
وادي الوجــــدان
وادي الضيــاع
وادي الحــــس

تنبيه

لكل‭ ‬وادٍ‭ ‬من‭ ‬أودية‭ ‬الخيال‭ ‬متاهة. ‬فإن‭ ‬شئت‭ ‬أن‭ ‬تتعرف‭ ‬على‭ ‬الوادي‭ ‬ورحلتي‭ ‬فيه‭ ‬ككاتب‭ ‬فاختر الوادي‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬الأطلس‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإن‭ ‬شئت‭ ‬أن‭ ‬تزور‭ ‬المتاهة‭ ‬فاتبع الروابط‭ ‬في‭ ‬القائمة‭ ‬إلى‭ ‬اليمين.

وادي‭ ‬الحـــــب

وادي‭ ‬الحب‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬الحب‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬زائره‭ ‬السلام‭ ‬بلا‭ ‬ثمن.

من‭ ‬يدخل‭ ‬ذلك‭ ‬الوادي‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬كما‭ ‬دخل؛‭ ‬إن‭ ‬دخله‭ ‬مثقلًا،‭ ‬خرج‭ ‬أخفّ‭ ‬روحًا،‭ ‬كأنه‭ ‬تحرر‭ ‬من‭ ‬حملٍ‭ ‬ثقيل‭.‬

وإن‭ ‬دخله‭ ‬مبتهجًا‭ ‬خرج‭ ‬موجعًا،‭ ‬كأنه‭ ‬‭ ‬أدرك‭ ‬أمراً‭ ‬خطيرًا‭.‬

رحلتي في وادي الحب

يُقال‭ ‬إن‭ ‬لكل‭ ‬حكاية‭ ‬بداية،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬لنا‭ ‬أحد‭ ‬أين‭ ‬بدأت‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬البشر‭.‬

هل‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬جنة‭ ‬عدن؟‭ ‬أم‭ ‬بعد‭ ‬العصيان‭ ‬والنزول‭ ‬وتذوّق‭ ‬طعم‭ ‬الغربة؟

بالطبع،‭ ‬ليس‭ ‬عندي‭ ‬جواب‭ ‬عام. كل‭ ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الغربة‭ ‬—‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الغريب‭ ‬بعدم‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬—‭ ‬كانت‭ ‬دومًا‭ ‬دافعي‭ ‬الأول‭ ‬للبحث‭ ‬والسفر،‭ ‬وبالطبع‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فيضًا‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭:‬

إلى‭ ‬أين‭ ‬أذهب؟‭ ‬عمَّ‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أبحث؟‭ ‬وما‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬البشر‭ ‬بأوصاف‭ ‬لا‭ ‬تفيد‭ ‬الغرباء‭ ‬مثلي‭ ‬بشيء؟

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الصعبة‭ ‬من‭ ‬مراهقتي،‭ ‬عرفت‭ ‬الحب‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬لا‭ ‬بالتعلّق‭ ‬بإنسان،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬رسمته‭ ‬رسالة‭ ‬بريئة،‭ ‬عطّرتها‭ ‬مرسلتها‭ ‬الصبية‭ ‬برائحة‭ ‬الياسمين؛‭ ‬رسالة‭ ‬رمتني،‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬صبيًا،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬أودية‭ ‬الخيال‭.‬

وادي‭ ‬الحـــــــرف‭ ‬

وادي‭ ‬الحرف‭ ‬هو‭ ‬الوادي‭ ‬الذي‭ ‬يعلّم‭ ‬الروح‭ ‬كيف‭ ‬تتُـعبر‭.‬

من‭ ‬يدخله‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬ليست‭ ‬وسيلة‭ ‬لوصف‭ ‬العالم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬طريقة‭ ‬خفية‭ ‬لصناعته‭.‬

رحلتي في وادي الحرف

بعد‭ ‬زيارتي‭ ‬إلى‭ ‬وادي‭ ‬الحب‭ ‬مرة،‭ ‬وقفت‭ ‬متسائلًا: ‬من‭ ‬يا‭  ‬ترى‭ ‬كتب‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة؟‭ ‬من‭ ‬عطرها‭ ‬بالياسمين‭ ‬ومن‭ ‬أثار‭ ‬زوبعة‭ ‬الحروف‭ ‬التي‭ ‬تلتها؟

أيُعقل‭ ‬أن‭ ‬بإمكان‭ ‬صبية‭ ‬في‭ ‬العاشرة‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬شخصًا‭ ‬إلى‭ ‬مجاهل‭ ‬الخيال،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬الكون‭ ‬من‭ ‬حوله؟

لا‭ ‬أدري‭ ‬حقًا. ‬فلربما‭ ‬قادتها‭ ‬المقادير،‭ ‬بإلهام‭ ‬ربّاني‭ ‬بريء،‭ ‬لتكتب‬‮: “لقد‭ ‬فاض‭ ‬حبي‭ ‬بك،‭ ‬وأنتظر‭ ‬منك‭ ‬كلمة”‬،‭ ‬وتختم‭ ‬الرسالة‭ ‬بغمسها‭ ‬في‭ ‬عطر‭ ‬الياسمين‭.‬

ذاك‭ ‬احتمال. ‬والاحتمال‭ ‬الآخر‭ ‬أن‭ ‬قصة‭ ‬الرسالة‭ ‬برُمّتها‭ ‬أمر ‬متخيَّل،‭ ‬شاء‭ ‬أهل‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‭ ‬أن‭ ‬يغروني‭ ‬به‭.‬

على‭ ‬أية‭ ‬حال،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬من‭ ‬أشعل‭ ‬تلك‭ ‬النار.. ‬المهم‭ ‬أنها‭ ‬جعلتني‭ ‬مدينًا‭ ‬للكاتب‭ ‬بـ«كلمة‮»‬‭ ‬؛‭ ‬بحروف‭ ‬أعبّر‭ ‬فيها‭ ‬عما‭ ‬جرى‭ ‬لي‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬وحتى‭ ‬لحظة‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬النص‭.‬

وفي‭ ‬معمعة‭ ‬البحث،‭ ‬كتبتُ‭ ‬وكتبت؛ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬أكتب‭ ‬؛‭ ‬ربما‭ ‬لأني‭ ‬لم‭ ‬أتجرأ‭ ‬على‭ ‬الرد،‭ ‬وربما‭ ‬لأن‭ ‬الرد‭ ‬تطلّب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬كتابًا‭.‬

وادي المعرفــــــة

الوادي‭ ‬الذي‭ ‬يعلّم‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬الحكمة‭ ‬تبدأ‭ ‬حين‭ ‬ينحني‭ ‬عقل‭ ‬الإنسان‭ ‬تواضعاً‭ ‬أمام‭ ‬المجهول‭.‬

ومن‭ ‬يعبره‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬مالكًا‭ ‬للحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬يصير‭ ‬أكثر‭ ‬إخلاصًا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عنها‭.‬

رحلتي في وادي المعرفة

‭.. ‬ثم‭ ‬نسيت‭ ‬سبب‭ ‬غربتي،‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أنسَ‭ ‬الغربة‭ ‬نفسها‭. ‬وبقيَت‭ ‬تقرض‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬كياني‭.‬‭ ‬فتهلهل،‭ ‬مع‭ ‬الأيام،‭ ‬ثوب‭ ‬البراءة،‭ ‬وتبدّل‭ ‬الانبهار‭ ‬بالكون‭ ‬وعجائبه‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬ليس‭ ‬عندي‭ ‬لها‭ ‬جواب‭.‬

لماذا‭ ‬يتنافس‭ ‬البشر؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلهم‭ ‬يقتتلون؟‭ ‬وما‭ ‬قيمة‭ ‬التطور‭ ‬والعلوم‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬بشرًا‭ ‬أصحاء‭ ‬أكفاء؟‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬الأسئلة‭ ‬تضغط‭ ‬عليّ،‭ ‬حتى‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أسيح‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أجوبة‭.‬

فتركت‭ ‬نعيم‭ ‬منزل‭ ‬والديّ‭ ‬المرفّه،‭ ‬لأتنقّل‭ ‬في‭ ‬المعمورة‭ ‬كالبشر‭ ‬ومع‭ ‬البشر‭.‬‭ ‬زرت‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق‭ ‬والجنوب‭ ‬والشمال،‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬دومًا‭ ‬أعود‭ ‬أكثر‭ ‬عطشًا،‭ ‬مسترجعًا‭ ‬كلامًا‭ ‬يردده‭ ‬أحد‭ ‬حكماء‭ ‬الصين‭ ‬بمنطق‭ ‬مذهل‭ ‬وغريب‭:‬‭ ‬‮«‬إن‭ ‬كنت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬فلا‭ ‬تبتعد‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬دارك‭ ‬؛‭ ‬لأنك‭ ‬كلما‭ ‬ابتعدت‭ ‬أكثر،‭ ‬قلّت‭ ‬معرفتك‭.‬‮»‬

ولا‭ ‬زلت‭ ‬في‭ ‬الظلام،‭ ‬حتى‭ ‬لقيت‭ ‬من‭ ‬فسّر‭ ‬لي‭ ‬كلام‭ ‬الحكيم،‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬متيقن‭:‬‭ ‬‮«‬ربما‭ ‬يقصد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فرقًا‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭. ‬ربما‮…‬‭ ‬‭ ‬ربما‭.‬‮»‬

فعرفت‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬ضالّتي،‭ ‬وخرجت‭ ‬أبحث‭ ‬عنها‭.‬

وادي الإلهــــــــام

الوادي‭ ‬الذي‭ ‬تتفق‭ ‬فيه‭ ‬بذور‭ ‬الفكرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتشكل‭ ‬ويصير‭ ‬لها‭ ‬اسم‭ ‬وهيئة‭.

من‭ ‬يزوره‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬بالضرورة‭ ‬كاتبًا‭ ‬،‭ ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬العالم‭ ‬كأمر‭ ‬مألوف‭.‬

رحلتي في وادي الإلهام

‭ .. ‬وهكذا‭ ‬زلزل‭ ‬حواري‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬تصوراتي‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬واكتسابه‭ .‬فعدتُ‭ ‬للترحال‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وأنا‭ ‬أحمل‭ ‬معي‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭ ‬فقط‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬معرفة»؟‭ ‬

واستمر‭ ‬البحث‭ ‬لسنتين‭ ‬تقريبًا‭ ‬حتى‭ ‬انتهى‭ ‬بي‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬حيث‭ ‬وصلت‭ ‬يومًا‭ ‬لاستنتاج‭ ‬غريب‭:‬ ‮«‬يبدو‭ ‬أني‭ ‬أجري‭ ‬وراء‭ ‬سراب‭. ‬الإنسان‭ ‬مجرد‭ ‬عقل‭ ‬وجسد‭ ‬لا‭ ‬غير‭. ‬وما‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬أوهام‮»‬‭. ‬

أتذكر‭ ‬أني‭ ‬كنت‭ ‬يومها‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬الرابعة‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬عمري‭.‬‭ ‬وأتذكر‭ ‬جيدًا‭ ‬أني‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬دُعيت‭ ‬لزيارة‭ ‬مدينة‭ ‬تسمى‭ ‬‮«‬قونيا‮»‬‭ ‬فلبّيْت‭ ‬من‭ ‬فوري‭.‬

وأتذكر‭ ‬لقائي‭ ‬هناك‭ ‬بدكتور‭ ‬جامعي‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬بالشعر‭ ‬الوجداني‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬عني‭ ‬الكثير‭:‬ ‮«‬أنت‭ ‬إنسان‭ ‬ملهم‭. ‬فقط‭ ‬دع‭ ‬قلبك‭ ‬يقودك‭! ‬وأنت‭ ‬ستحصل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تريد‭.‬‮»‬

‮«‬ماذا‭ ‬أريد؟‮»‬‭ ‬‬أجبته‭.‬

‮«‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬بلا‭ ‬صوت‭.‬‮»‬

‮«‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬ذلك؟‮»‬

ولم‭ ‬يُجب‭. ‬فقط‭ ‬سكن‭ ‬لوقت‭ ‬طويل‭ ‬شعرت‭ ‬خلاله‭ ‬بأني‭ ‬وعاء‭ ‬يُملأ‭ ‬بشيء‭ ‬لا‭ ‬أعرفه‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬الى‭ ‬نقطة‭ ‬قلت‭ ‬فيها‭ ‬فجأة‭:‬‭ ‬‮«‬أرجوك‭ ‬كفى‭.‬‮»‬

فكان‭ ‬ردّه‭ ‬وعلى‭ ‬وجهه‭ ‬ابتسامة‭ ‬عريضة‭:‬‭ ‬‮«‬ألم‭ ‬أقل‭ ‬لك‭ ‬إنك‭ ‬إنسان‭ ‬ملهم‭. ‬تذكر‭ ‬بأن‭ ‬الأديب‭ ‬لا‭ ‬يصير‭ ‬ملهمًا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬صوت‭ ‬الإلهام‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬قلبه‭.‬‮»‬

وادي الوجـــــدان

الوادي‭ ‬الذي‭ ‬يستريح‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬البحث‭ ‬عما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭.‬‭ ‬

من‭ ‬يزوره‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬أكثر‭ ‬غبطة،‭ ‬لكن‭ ‬بالتأكيد‭ ‬سيعود‭ ‬أكثر‭ ‬صدقًا‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭.‬

يقال‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬يعبر‭ ‬وادي‭ ‬الوجدان‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭:‬‭ ‬ماذا‭ ‬أريد‭ ‬من‭ ‬العالم؟‭ ‬

ويبدأ‭ ‬في‭ ‬سؤال‭ ‬نفسه‭: ‬ماذا‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬أنصت‭ ‬له؟

رحلتي في وادي الوجـــدان

ساقتني‭ ‬المقادير‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لأعيش‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬موريشوس،‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭. ‬تلك‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬نسجت‭ ‬خيالي‭ ‬بسمائها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬السحّ،‭ ‬وبطبيعتها‭ ‬الساحرة،‭ ‬وجوّها‭ ‬الرطب‭ ‬المتقلّب‭.‬

هناك‭ ‬جلست‭ ‬لأكتب‭ ‬رواية،‭ ‬فانتهى‭ ‬بي‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صرت‭ ‬أنا‭ ‬نفسي‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬تكتبها‭ ‬يد‭ ‬الأقدار،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتخيّله‭ ‬قط‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬الفردوسية‭/‬القاسية‭ ‬تزوجت،‭ ‬ورُزقت‭ ‬بنتًا‭ ‬وولدًا‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬تعلّمت‭ ‬أن‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكون،‭ ‬فأرى‭ ‬بشريتي‭ ‬بلا‭ ‬رتوش‭. ‬في‭ ‬موريشوس،‭ ‬صار‭ ‬لرحلتي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‭ ‬شكلًا‭ ‬جديدًا‭ ‬؛‭ ‬شكلًا‭ ‬أكثر‭ ‬ترتيبًا‭ ‬وإجرائية،‭ ‬قادني‭ ‬فيه‭ ‬شيخ‭ ‬جليل‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬لقائنا‭ ‬الأول‭:‬‭ ‬‮«‬الأبنية‭ ‬العظيمة‭ ‬أبنية‭ ‬صغيرة‭ ‬أجاد‭ ‬صُنّاعها‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬أردف‭ ‬بصوت‭ ‬رقيق،‭ ‬كأنه‭ ‬آتٍ‭ ‬من‭ ‬الجنة‭:‬‭ ‬‮«‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬تُؤخذ‭ ‬عبًّا،‭ ‬بل‭ ‬قطرةً‭ ‬بعد‭ ‬قطرة‭ .‬‮»‬فكان‭ ‬ردّي‭:‬‭ ‬‮«‬لي‭ ‬زمن‭ ‬وأنا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭.‬‮»‬

قال‭:‬‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬والمعرفة‭ ‬تناديك‭. ‬الآن‭ ‬أنت‭ ‬جاهز‭ ‬لسبر‭ ‬أغوارها‭.‬‮»‬

قلت‭:‬‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أفعل؟‮»‬

قال‭ :‬‮«‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬شيئًا‭. ‬فقط‭ ‬أنصت‭ ‬بكلّك‭ ‬للكون‭ ‬من‭ ‬حولك‭.‬‮»‬

وادي الضيــــــاع

هذا‭ ‬الوادي‭ ‬لا‭ ‬يهبك خلاصاً أو يحقق‭ ‬لك‭ ‬أمنية. جائزتك هنا‭ ‬تبدد‭ ‬أوهامك‭ ‬والعودة‭ ‬لنفسك،‭ ‬لتدرك‭ ‬أخيرًا‭ ‬أنك‭ ‬مهما‭ ‬عرفت‭ ‬فأنت‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭.

‬‭ ‬وأن‭ ‬الحيرة‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬للرحلة،‭ ‬بل‭ ‬امتحانها‭ ‬الأخير‭.‬

رحلتي في وادي الضياع

ثم‭ ‬جاء‭ ‬يوم‭ ‬شعرت‭ ‬فيه‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬وصلت آخيرا‭ ‬لما لم يصل له‭ ‬أحد. ‬أجل،‭ ‬وحسيتني‭ ‬قد‭ ‬فككت‭ ‬أعتى‭ ‬ألغاز‭ ‬البشر.  ‬يومها‭ ‬شعرت‭ ‬بنشوة،‭ ‬وأحسست‭ ‬كأنني‭ ‬أحلّق‭ ‬بلا‭ ‬جناحين‭.‬

كان‭ ‬معلّمي‭ ‬قد‭ ‬مات،‭ ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬جاوزت‭ ‬الخمسين‭ ‬من‭ ‬عمري‭. ‬وكنت،‭ ‬أيضًا،‭ ‬قد‭ ‬كتبت‭ ‬خمسين‭ ‬كتابًا،‭ ‬وعرفت‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬الكثير‭.‬‭ ‬فتوقفت‭ ‬عن‭ ‬الكتابة،‭ ‬وخرجت‭ ‬من‭ ‬خلوتي‭ ‬لأجد‭ ‬زوجتي‭ ‬منشغلة‭ ‬بنبتات‭ ‬منزلية‭ ‬في‭ ‬أصص‭ ‬على‭ ‬شرفة‭ ‬المنزل‭. ‬فقلت‭ ‬لها‭ ‬بزهو: «‬أخيرًا،‭ ‬حللت‭ ‬اللغز‭.‬‮»‬‭ ‬فردّت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تلتفت‭ ‬لي: ‬‮«‬أي‭ ‬لغز؟‮»‬.

‮«‬لغز‭ ‬أودية‭ ‬الخيال‭ ‬الخمسة‭ ‬التي‭ ‬قضيت‭ ‬عشرات‭ ‬السنين وأنا بها منشغل»، ‬‭ ‬فردّت‭ ‬وهي‭ ‬بشجيراتها‭ ‬مشغولة: ‭ ‬‮«ماذا‭ ‬سنأكل‭ ‬هذه‭ ‬الليلة؟‮»‬.‬

«‬أوه‭ ‬‮…‬‭ ‬ماذا‭ ‬يجري‭ ‬لكِ؟‭ ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬سر‭ ‬أودية‭ ‬الخيال،‭ ‬فتسألينني‭ ‬ماذا‭ ‬سنأكل‭ ‬الليلة؟‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬ترد،‭ ‬وانشغلت‭ ‬بالبذور‭ ‬وهي‭ ‬تتمتم‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تلتفتنَ‭ ‬إليه‭ ‬يا‭ ‬صغيراتي‭. ‬إنه‭ ‬دائمًا‭ ‬مشغول‭ ‬بما‭ ‬لا يوجد‭.‬‮»‬

‮«‬ماذا‭ ‬قلتِ؟‭ ‬مع من‭ ‬أنت‭ ‬تتحدثين؟»‬‭.‬  ‬فكان‭ ‬ردّها: ‬‮«‬لا،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭.‬‮»‬

لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا،‭ ‬لكن‭ ‬كلماتها‭ ‬جعلتني‭ ‬أحسّ‭ ‬بدوار‭ ‬شديد.  ‬فعدتُ‭ ‬من‭ ‬فوري‭ ‬إلى‭ ‬معتزلي،‭ ‬وأنا‭ ‬أقول‭ ‬لنفسي‭:‬

‮«‬يبدو‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬وادي‭ ‬الضياع‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬سمعت‭ ‬عنه‭.‬‮»‬

 وادي الحـــــس

الوادي‭ ‬الذي‭ ‬ندرك‭ ‬فيه‭ ‬بأن‭ ‬الحواس‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مجسات‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬تصنع‭ ‬الواقع‭.‬

من‭ ‬يزوره‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬بحكمة‭ ‬واضحة.‭ ‬لكنه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬سيخرج‭ ‬بحضور‭ ‬أعمق. ‬حضور‭ ‬يجعله‭ ‬أقل‭ ‬استعجالًا‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الأشياء،

‭ ‬لأنه‭ ‬تعلّم‭ ‬‭ ‬فيه‭ ‬بأن‭ ‬العقل‭ ‬ليس‭ ‬السيد‭ ‬الأمر‭ ‬بل‭ ‬تابع‭ ‬لما‭ ‬تمليه‭ ‬عليه‭ ‬الحواس‭. ‬

رحلتي في وادي الحـــــس

لم‭ ‬نتكلم،‭ ‬أنا‭ ‬وزوجتي‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى. ‭ ‬ومضت‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬رتابتها‭ ‬المعتادة‭.‬

عدتُ‭ ‬أنا‭ ‬إلى‭ ‬عالمي‭ ‬الذي‭ ‬يرسم‭ ‬الخيال‭ ‬حدوده،‭ ‬وعادت‭ ‬هي‭ ‬إلى‭ ‬عالمها‭ ‬الذي‭ ‬ترسم‭ ‬المشاعر‭ ‬حدوده.  ‬وبقينا‭ ‬نجدّد‭ ‬العهود‭ ‬كلما‭ ‬هبّت‭ ‬ريح‭ ‬الأحاسيس‭: ‬‭ ‬

ذوقًا،‭ ‬طعمًا،‭ ‬رائحةً،‭ ‬ملمسًا أو  نظر‭. ‬

نعم،‭ ‬للأحاسيس‭ ‬سحرها،‭ ‬زوابعها ‭ ‬وقدرات‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬الزجّ‭ ‬بالإنسان‭ ‬في ال‬مجاهيل‭ ‭.‬

©‮ ‬حقوق‭ ‬الطبع‭ ‬والنشر‭ ‬محفوظة‭ ‬‮ ٦٢٠٢‬م‭ – ‬الشادي‭ ‬سعود‭ ‬الحركان