وادي الحـــــــرف
وادي الحرف هو الوادي الذي يعلّم الروح كيف تتُـعبر.
من يدخله يعرف من أول خطوة أن اللغة ليست وسيلة لوصف العالم فقط، بل طريقة خفية لصناعته.
رحلتي في وادي الحرف
بعد زيارتي إلى وادي الحب مرة، وقفت متسائلًا: من يا ترى كتب تلك الرسالة؟ من عطرها بالياسمين ومن أثار زوبعة الحروف التي تلتها؟
أيُعقل أن بإمكان صبية في العاشرة أن تأخذ شخصًا إلى مجاهل الخيال، قبل أن يتعرّف إلى الكون من حوله؟
لا أدري حقًا. فلربما قادتها المقادير، بإلهام ربّاني بريء، لتكتب: “لقد فاض حبي بك، وأنتظر منك كلمة”، وتختم الرسالة بغمسها في عطر الياسمين.
ذاك احتمال. والاحتمال الآخر أن قصة الرسالة برُمّتها أمر متخيَّل، شاء أهل عالم الخيال أن يغروني به.
على أية حال، ليس من المهم من أشعل تلك النار.. المهم أنها جعلتني مدينًا للكاتب بـ«كلمة» ؛ بحروف أعبّر فيها عما جرى لي منذ تلك اللحظة وحتى لحظة كتابة هذا النص.
وفي معمعة البحث، كتبتُ وكتبت؛ ولا أزال أكتب ؛ ربما لأني لم أتجرأ على الرد، وربما لأن الرد تطلّب أكثر من ستين كتابًا.
وادي المعرفــــــة
الوادي الذي يعلّم الإنسان أن الحكمة تبدأ حين ينحني عقل الإنسان تواضعاً أمام المجهول.
ومن يعبره لا يصبح مالكًا للحقيقة، بل يصير أكثر إخلاصًا في البحث عنها.
رحلتي في وادي المعرفة
.. ثم نسيت سبب غربتي، لكني لم أنسَ الغربة نفسها. وبقيَت تقرض في عمق كياني. فتهلهل، مع الأيام، ثوب البراءة، وتبدّل الانبهار بالكون وعجائبه إلى أسئلة ليس عندي لها جواب.
لماذا يتنافس البشر؟ وما الذي يجعلهم يقتتلون؟ وما قيمة التطور والعلوم ما دامت لا تصنع بشرًا أصحاء أكفاء؟ ولا زالت الأسئلة تضغط عليّ، حتى قررت أن أسيح في الأرض بحثًا عن أجوبة.
فتركت نعيم منزل والديّ المرفّه، لأتنقّل في المعمورة كالبشر ومع البشر. زرت الغرب والشرق والجنوب والشمال، لكني كنت دومًا أعود أكثر عطشًا، مسترجعًا كلامًا يردده أحد حكماء الصين بمنطق مذهل وغريب: «إن كنت تبحث عن المعرفة فلا تبتعد كثيرًا عن دارك ؛ لأنك كلما ابتعدت أكثر، قلّت معرفتك.»
ولا زلت في الظلام، حتى لقيت من فسّر لي كلام الحكيم، وهو غير متيقن: «ربما يقصد أن هناك فرقًا بين البحث عن العلم والبحث عن المعرفة. ربما… ربما.»
فعرفت منذ ذلك اليوم ضالّتي، وخرجت أبحث عنها.
وادي الإلهــــــــام
الوادي الذي تتفق فيه بذور الفكرة قبل أن تتشكل ويصير لها اسم وهيئة.
من يزوره لا يصبح بالضرورة كاتبًا ، بيد أنه لا يعود قادرًا على رؤية العالم كأمر مألوف.
رحلتي في وادي الإلهام
.. وهكذا زلزل حواري مع ذلك الشخص تصوراتي عن العلم واكتسابه .فعدتُ للترحال من جديد وأنا أحمل معي سؤالًا واحدًا فقط: ما هو ذلك الشيء الذي يسمى «معرفة»؟
واستمر البحث لسنتين تقريبًا حتى انتهى بي المقام في تركيا حيث وصلت يومًا لاستنتاج غريب: «يبدو أني أجري وراء سراب. الإنسان مجرد عقل وجسد لا غير. وما سوى ذلك مجرد أوهام».
أتذكر أني كنت يومها قد بلغت الرابعة والعشرين من عمري. وأتذكر جيدًا أني في ذلك اليوم دُعيت لزيارة مدينة تسمى «قونيا» فلبّيْت من فوري.
وأتذكر لقائي هناك بدكتور جامعي من المختصين بالشعر الوجداني فقال لي دون أن يعرف عني الكثير: «أنت إنسان ملهم. فقط دع قلبك يقودك! وأنت ستحصل على ما تريد.»
«ماذا أريد؟» أجبته.
«أن تسمع بلا صوت.»
«وكيف يكون ذلك؟»
ولم يُجب. فقط سكن لوقت طويل شعرت خلاله بأني وعاء يُملأ بشيء لا أعرفه حتى وصلنا الى نقطة قلت فيها فجأة: «أرجوك كفى.»
فكان ردّه وعلى وجهه ابتسامة عريضة: «ألم أقل لك إنك إنسان ملهم. تذكر بأن الأديب لا يصير ملهمًا ما لم يسمع صوت الإلهام في صميم قلبه.»
وادي الوجـــــدان
الوادي الذي يستريح الإنسان عن البحث عما لا يوجد.
من يزوره قد لا يعود أكثر غبطة، لكن بالتأكيد سيعود أكثر صدقًا مع نفسه.
يقال إن من يعبر وادي الوجدان يتوقف عن السؤال: ماذا أريد من العالم؟
ويبدأ في سؤال نفسه: ماذا في داخلي ينتظر أن أنصت له؟
رحلتي في وادي الوجـــدان
ساقتني المقادير بعد ذلك لأعيش في جزيرة موريشوس، في قلب المحيط الهندي. تلك الجزيرة التي نسجت خيالي بسمائها التي لا تكف عن السحّ، وبطبيعتها الساحرة، وجوّها الرطب المتقلّب.
هناك جلست لأكتب رواية، فانتهى بي الأمر إلى أن صرت أنا نفسي شخصية في رواية تكتبها يد الأقدار، على نحو لم أكن أتخيّله قط.
في تلك الأرض الفردوسية/القاسية تزوجت، ورُزقت بنتًا وولدًا. وفي تلك الأرض تعلّمت أن أنظر إلى الكون، فأرى بشريتي بلا رتوش. في موريشوس، صار لرحلتي في عالم الخيال شكلًا جديدًا ؛ شكلًا أكثر ترتيبًا وإجرائية، قادني فيه شيخ جليل قال لي في لقائنا الأول: «الأبنية العظيمة أبنية صغيرة أجاد صُنّاعها». ثم أردف بصوت رقيق، كأنه آتٍ من الجنة: «المعرفة لا تُؤخذ عبًّا، بل قطرةً بعد قطرة .»فكان ردّي: «لي زمن وأنا أبحث عن المعرفة.»
قال: «منذ زمن والمعرفة تناديك. الآن أنت جاهز لسبر أغوارها.»
قلت: «ماذا عليّ أن أفعل؟»
قال :«لا تفعل شيئًا. فقط أنصت بكلّك للكون من حولك.»
وادي الضيــــــاع
هذا الوادي لا يهبك خلاصاً أو يحقق لك أمنية. جائزتك هنا تبدد أوهامك والعودة لنفسك، لتدرك أخيرًا أنك مهما عرفت فأنت لا تعرف.
وأن الحيرة ليس نهاية للرحلة، بل امتحانها الأخير.
رحلتي في وادي الضياع
ثم جاء يوم شعرت فيه أنني قد وصلت آخيرا لما لم يصل له أحد. أجل، وحسيتني قد فككت أعتى ألغاز البشر. يومها شعرت بنشوة، وأحسست كأنني أحلّق بلا جناحين.
كان معلّمي قد مات، وكنت قد جاوزت الخمسين من عمري. وكنت، أيضًا، قد كتبت خمسين كتابًا، وعرفت عن البشر الكثير. فتوقفت عن الكتابة، وخرجت من خلوتي لأجد زوجتي منشغلة بنبتات منزلية في أصص على شرفة المنزل. فقلت لها بزهو: «أخيرًا، حللت اللغز.» فردّت دون أن تلتفت لي: «أي لغز؟».
«لغز أودية الخيال الخمسة التي قضيت عشرات السنين وأنا بها منشغل»، فردّت وهي بشجيراتها مشغولة: «ماذا سنأكل هذه الليلة؟».
«أوه … ماذا يجري لكِ؟ أقول إنني اكتشفت سر أودية الخيال، فتسألينني ماذا سنأكل الليلة؟»، لكنها لم ترد، وانشغلت بالبذور وهي تتمتم: «لا تلتفتنَ إليه يا صغيراتي. إنه دائمًا مشغول بما لا يوجد.»
«ماذا قلتِ؟ مع من أنت تتحدثين؟». فكان ردّها: «لا، لا شيء.»
لا أدري لماذا، لكن كلماتها جعلتني أحسّ بدوار شديد. فعدتُ من فوري إلى معتزلي، وأنا أقول لنفسي:
«يبدو أنني قد دخلت وادي الضياع الذي طالما سمعت عنه.»
وادي الحـــــس
الوادي الذي ندرك فيه بأن الحواس ليست مجرد مجسات بل أدوات تصنع الواقع.
من يزوره قد لا يخرج منه بحكمة واضحة. لكنه بالتأكيد سيخرج بحضور أعمق. حضور يجعله أقل استعجالًا في الحكم على الأشياء،
لأنه تعلّم فيه بأن العقل ليس السيد الأمر بل تابع لما تمليه عليه الحواس.
رحلتي في وادي الحـــــس
لم نتكلم، أنا وزوجتي في الموضوع مرة أخرى. ومضت الأيام في رتابتها المعتادة.
عدتُ أنا إلى عالمي الذي يرسم الخيال حدوده، وعادت هي إلى عالمها الذي ترسم المشاعر حدوده. وبقينا نجدّد العهود كلما هبّت ريح الأحاسيس:
ذوقًا، طعمًا، رائحةً، ملمسًا أو نظر.
نعم، للأحاسيس سحرها، زوابعها وقدرات هائلة على الزجّ بالإنسان في المجاهيل .
© حقوق الطبع والنشر محفوظة ٦٢٠٢م – الشادي سعود الحركان

