متاهة وادي الـوجـــــــدان
المتاهة التي تستريح فيه الروح مما فات، وتتوقف من انتظار ماهو آت.
رحلة البحث عن الكنز في وادي الوجدان
لو نظرنا إلى البشر، بكل أطيافهم وألوانهم، من مسافة بعيدة، لرأينا أنهم ـ على اختلاف لغاتهم وبيئاتهم وتجاربهم ـ يشتركون في رصيد واسع من المعارف الإنسانية العامة؛ معارف تُعرّف إنسانيتهم، وتحفظ بقاءهم، وتمنحهم القدرة على الاستمرار.
بعض هذه المعارف يعود إلى طبيعة الإنسان الأولى، وإلى ما يتحرك في جسده من دوافع الذكورة والأنوثة، وبعضها الآخر تراكم عبر الأجيال، منذ عرف الإنسان كيف يحفظ طعامه ويخزّنه، إلى أن بلغ ما بلغه من صنائع وحِرَف وفنون ومهارات. ومن أعمق هذه المعارف المتوارثة: معرفة النفس وأغوارها.
معرفة ما يدفعنا وما يردعنا، ما يحمّسنا وما يحبطنا، ما يوقظ فينا الرغبة، وما يطفئ فينا العزيمة. إنها معرفة يحتاج إليها كل مربٍّ وكاتب، بل كل أب وأم، ولو بالقدر الذي يعين كل واحد منهم على أداء دوره على الوجه الأتم.
ومن المدارس التي اعتنت بهذه المعرفة، لا بوصفها تأملًا نظريًا فحسب، بل بوصفها طريقًا لتطوير المهارات التربوية والإنسانية، مدرسة يمكن أن نسمّيها: المدرسة الوجدانية.
في هذه المدرسة يحتل الخيال مكانًا مركزيًا؛ لا باعتباره هروبًا من الواقع، بل باعتباره أكبر مخزون رمزي ومعلوماتي يملكه الإنسان. فمن خلال الخيال يستعيد الإنسان تجاربه، ويعيد ترتيب مشاعره، ويفهم دوافعه، ثم يكتشف الطريق إلى نفسه وإلى غيره.
غير أن هذا الطريق ليس سهلًا ولا مباشرًا. إنه رحلة عميقة يمر فيها الباحث بسبع مراحــل: ١. الفضــول - ٢. تلمّس الطريــــق – ٣. المجــاهدة وكــسر العادات – ٤. الهدوء - ٥. تغيّر المنظور - ٦. الضياع – ٧. كنز الوجدان
أما كنز الوجدان في النهاية، فليس ذهبًا مخبوءًا، ولا سرًا غامضًا منفصلًا عن الحياة، بل هو حالة من التوازن العميق؛ حالة يصبح فيها الإنسان أكثر فهمًا لنفسه، وأكثر قدرة على الإصغاء إلى غيره، وأقدر على مساعدة الآخرين في تلقّي المعرفة، أيًا كان مجالها.
إنه الكنز الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُدرك بالأثر: في طريقة التربية، وفي أسلوب التعليم، وفي القدرة على ملامسة الإنسان من داخله قبل مخاطبة عقله من خارجه.
أخيرًا، فإن طريق الوجدان هو بداية رحلتنا في طريق المعرفة ونهايتها. وقد نثرنا الحديث عنه في كتبنا كلها، خاصة: «الصندوق»، و«كتاب النوم»، و«الجنة»، و«أدل»، و«وهم»؛ إذ يصف كل واحد منها مرحلة من مراحل البحث الخمس عن الكنز.
أما المرحلتان الأخيرتان، فلم نجرؤ حتى الآن على محاولة وصفهما؛ لأنهما، ببساطة، مما لا يقبل الوصف.
© حقوق الطبع والنشر محفوظة ٦٢٠٢م – الشادي سعود الحركان





