متاهة وادي الـحــــــــــس
في هذه المتاهة يتعلم الجسد كيف يتذكر
ربما لاحظت أنني قرنتُ صفحة التواصل بمتاهة الحس في قائمة روابط الموقع. والسبب أنني أريد لزائر الموقع أن يدخل متاهة الحس أولًا؛ فإن وجد فيها ما يكفيه من تواصل، فبها ونعمت. أما إن رغب في تواصل مباشر، أو طلب استشارة في أمر ما، فبإمكانه الذهاب إلى
الحواس ليست مجسّات أو آلات نتجسّس بها على العالم فحسب، بل هي أيضًا منافذ يلج من خلالها العالم الخارجي إلى وجدان كلٍّ منا. فمن خلالها لا نعرف الأشياء كما هي فقط، بل كما تؤثر فينا أيضًا. نحن نرى، فنحب أو نخاف. نسمع، فنتذكر أو نطمئن. نلمس، فنصدّق أن ما حولنا أمور ملموسة لا متوهَّمة. نشم، فتعود إلينا أماكن ظننا أن حُجُب النسيان قد حجبتها. نتذوق، فينهض في الفم تاريخ كامل من البيوت والأمهات والطفولة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى تخوم ما يُسمى بـ«الإدراك»، حيث تصير الحواس أداة مهمة لتلقي المعرفة، واستحثاث ومضات الوعي. وهذا هو ما يهمنا كثيرًا في رحلتنا عبر أودية الخيال السبعة المذهلة. ولو أردنا الذهاب أبعد من ذلك، فسنستطيع القول إن الحواس مدارس وجدانية صغيرة، يتعلم فيها الإنسان كيف يقرأ العالم، وكيف يقرأ نفسه من خلال العالم. فكل حاسة باب، وكل باب يقود إلى غرفة خفية في النفس، وكل غرفة تحفظ سرًا من أسرار الإنسان.
يبقى أمر أخير أريد ذكره قبل الولوج في عالم الحس المذهل، وهو أن الأحاسيس، على أهميتها بالنسبة إلينا، لا تعدو أن تكون متحركات يستحيل تثبيتها. فالصورة التي تراها الآن أمامك لن تلبث أن تتغير قبل أن يرتد إليك طرفك، بسبب تغيّر الإضاءة، وحركة العين، وأمور أخرى يطول شرحها. والصوت الذي تسمعه في أجهزة التسجيل ليس صوتك كما تسمعه من داخلك؛ فتذكّر هذه المعلومة جيدًا، لأنها أصل من أصول المعرفة: أن الحواس لا تمنحنا العالم كما هو، بل كما تعبره أجسادنا، وتستقبله نفوسنا.
والآن، كي نفتح أبواب ذلك العالم المذهل، لنتفق أن هناك خمسة فروع لمتاهة الحس. وعليك أن تختار الفرع الذي ترغب في الغوص فيه بالضغط على إشارة الطريق في الخريطة، أو أن تتبع الفروع كما رتبناها لك.
المزيد عن الرحلة في متاهات وادي الحس في كتابنا المعنون: اللون، الطعم والرائحة
© حقوق الطبع والنشر محفوظة ٦٢٠٢م – الشادي سعود الحركان