لنصنع بيئة أدبية جديدة (١)

بواسطة | أغسطس 24, 2026 | مقالات فكرية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

هذا مقال من نوع خاص. مقال أخلط فيه بين القصة والتجريد لإيصال مفهوم غاية في الحساسية؛ «مفهوم صناعة البيئة الأدبية».

لنبدأ بالقصة،

بطل القصة مراهق اسمه جابر وأبوه أديب ومربي معروف. وقصتنا تبدأ عندما يسمع جابر أباه يقول ذات مساء لضيف كان يزوره: «الأدب كنز، والأديب هو من يجده.»

انتظر الفتى حتى انصرف الضيف، ثم اقترب من أبيه وسأله: «سمعتك اليوم تتحدث مع ضيفك عن الأدب. وبي فضول لمعرفة ما تقصده عندما تقول إن فلانًا «أديب»، وما الكنز الذي يجب أن يجده الإنسان ليستحق ذلك اللقب؟»

أعود لوصف جابر ذاك، فأذكر أنه كان في الخامسة عشرة؛ أبتل، متقد العينين، كثير الأسئلة، سريع الملل، ولا يقرأ إلا فيما ندر. في المقابل، كان أبوه خمسينيًا بلحية شهباء يمسدها كلما تكلم. أما شغفه فكان اقتناء الكتب، بل كان يثمّن بعضها بأغلى من الذهب.

.. مسد الأب لحيته وهو مبتسم ثم قال: «أتريد حقًا أن تعرف؟» فأجاب جابر بشيء من الاستخفاف: 

«بلى، بل أريد أن أصبح أديبًا مثلك.»

هز الأب رأسه وقتها وهو يقول: «إذًا فلتكن هذه قاعدتك الأولى: ليس هناك أديب مثل أديب آخر. وإن أردت أن تسلك هذا الطريق، فاخرج غدًا وابحث عن الأديب فيك. إن وجدته، وجدت الكنز الذي كنا نتحدث عنه أنا وضيفي.»

«أين يمكن أن أبحث عنه؟»

لم يجب الأب. فقط التقط كتابًا وبدأ يقرأ فيه.

في صباح اليوم التالي خرج جابر مبكرًا، ولم يعد حتى المساء. وحين عاد، اتجه مباشرة إلى مكتب أبيه. دخل المكتب ليبادره الأب بالقول:

«ها.. أوجدت الكنز؟»

فرد جابر وقد بدا عليه التعب: «لم أجد شيئًا. رأيت بشرًا يمارسون حياتهم فقط.» ثم صمت برهة، قبل أن يضيف بعد أن اختار كرسيًا وجلس عليه: «.. رأيت عاملًا مسنًا يكنس الطريق، مع أن الريح كانت تعيد الأوراق إليه كلما أبعدها. ورأيت طفلًا يقفز فوق بقعة ماء، ثم يعود ليقفز فوقها مرة أخرى. وبعدها هطل المطر، فاختبأت حتى انقشع السحاب. ثم مشيت طويلًا حتى وجدت صخرة بجوار جدول، فجلست عليها…» ثم سكت لحظة.

وبينما كان جابر يتحدث، ظل الأب يصغي إليه وهو يتفحص وجهه دقيق الملامح.

ثم عاد جابر فاستطرد: «.. هناك بدأت أفكر في ذلك العامل. لماذا يصر على مقاومة الريح وهو يعرف أنها ستعيد الأوراق؟ ثم فكرت في البشر الذين يكررون الأشياء نفسها كل يوم؛ يستيقظ أحدهم في المنزل نفسه، يأكل الفطور نفسه، ويسلك الطريق نفسه…» ثم سكت مرة أخرى. فقال الأب وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة:

«وإلى ما وصلت؟»

«إلى لا شيء. لا شيء البتة.» ثم أخرج جابر من جيبه دفترًا صغيرًا، وأخذ يقلب صفحاته بتردد. ثم قال بصوت خافت: 

«كتبت شيئًا سخيفًا على تلك الصخرة. هل تريد سماعه؟»

«بالتأكيد.» وقرأ جابر:

«كان الرجل يكنس الأوراق، وكانت الريح تعيدها إليه، كأن بينهما خصومة قديمة لا يريد أي منهما الاعتراف بالهزيمة. وكان الطفل الذي يقفز على بقعة الماء يرى نفسه، في كل قفزة، يعبر بين عالمين..» ثم أغلق الدفتر بسرعة وهو يقول: 

«قلت لك إنه كلام لا قيمة له.»

حل بعدها صمت طويل، كسره الأب بصوت خالٍ من المشاعر:

«لا، بل لقد وجدت الكنز.»

انتهى السرد.

والآن، لنتساءل: ماذا وجد الأب في كلمات ابنه ليقول إنه قد «وجد الكنز»؟

بالتأكيد لم تصنع رحلة يوم واحد من جابر «أديبًا» يكتب نصوصًا تخلد، أو شاعرًا سيتغنى بكلامه المحبون. كل ما يمكن أن نستقيه من كلامه:  أنه قد بدأ يرى العالم بطريقة مختلفة. وما على ما يبدوا ما  اعتبره الأب كنزًا لا يقدر بثمن.

في الجزء التالي من المقال سنناقش تجربة جابر بلغة مختلفة  و سنحاول تحليل ما  اعتبره  الأب  قفزة في وعي ابنه..

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *