..تكلمة لمقال شجرة الكلمة (١)
الساق والتاج
في المقال السابق، «شجرة الكلمة»، تخيلنا أننا نصنع لغة من الصفر. بدأنا بالصوت، ثم اللفظ، ثم الكلمة، فالمفردة، وصولًا إلى المصطلح. كانت الرحلة هناك رحلة في عالم اللسان: كيف نصنع الأداة التي نتكلم بها؟ أما الآن فننتقل إلى الجانب الآخر من الشجرة، ونسأل: ماذا يحدث عندما نستخدم هذه الأداة لفهم العالم الذي نعيش فيه؟
لتبسيط الأمر، لنتخيل جماعة من البشر تعيش على كوكب جديد لم تعرفه من قبل. أمامهم أشياء وكائنات وظواهر لا أسماء لها: نبات يضيء في الليل، كائن يختبئ تحت الرمال، وصوت غريب يسبق هبوب العاصفة. العالم موجود أمامهم، لكن اللغة التي تصفه ما زالت في طور النشوء. ثم تبدأ الرحلة بـ «التجربة»؛ يرى الإنسان شيئًا، يسمعه، أو يشعر بأثره. ثم تتكرر التجربة، فيبدأ في عمليات «التمييز»: هذا الشيء يختلف عن ذاك، هذه الظاهرة تشبه ظاهرة رأيتها بالأمس، وهذا الكائن يعود للظهور بالطريقة نفسها. ومع كثرة المشاهدات يبدأ العقل في جمع الأشياء المتشابهة معًا. يرى كائنات مختلفة قليلًا في الحجم واللون، لكنه يدرك بينها قدرًا من التشابه، فيتعامل معها بوصفها نوعًا واحدًا. وهو ما يوصله «للمفهوم»؛ أو الإطار الفكري الرابط بين المتشابهات.
ويصير المفهوم، في أبسط صوره، صورة ذهنية نجمع تحتها أشياء أو خبرات نرى بينها شيئًا مشتركًا.
لفتة
قد يتكوّن هذا المفهوم قبل أن يكون له اسم. فالإنسان يستطيع أن يميز نوعًا من الكائنات ويعرفه حين يراه، حتى لو لم يمتلك بعد كلمة تدل عليه.
في الجانب الآخر من تلك التجارب تأتي اللغة. النقطة التي يتفق أفراد فيها الجماعة على تسمية الأشياء والظواهر. فلو قرروا مثلًا أن يسموا أحد الكائنات التي تجول حولهم «زار» فبطبيعة الحال سترتبط الكلمة بما تكوّن في أذهانهم عن ذلك الكائن. فإن قال أحدهم «زار»، عرف الآخرون إلى ماذا يشير. ومن هذا الرابط بين الكلمة وما تستحضره في الذهن ينشأ المعنى في التواصل. فتصير الكلمة بذلك جسرًا، مع ملاحظة أنها لا تخلق الشيء، ولا تخلق التجربة من العدم، لكنها تمنح الجماعة وسيلة لاستدعاء ما عرفته ومشاركته. وما كان خبرة داخل عقل شخص واحد يستطيع الآن أن ينتقل إلى عقول الآخرين.
ثم تتسع التجربة أكثر عندما يلاحظ الناس أن الكائن «زار» ذاك لا يظهر إلا قبل المطر، وأن ظهوره يصاحبه تغير في درجة الحرارة، وأن نباتًا معينًا ينمو بعد ظهوره. وهنا تبدأ المعرفة؛ النقطة التي يبدأ الربط فيها بين الكائن التي تم تمييزه وتسميته وأشياء أخرى في المحيط من حولهم. فتصير” المعرفة” ، في أبسط صورها، شبكة من الأشياء التي عرفناها مشمولة بالعلاقات التي اكتشفناها بينها؛ نعرف الشيء، ثم نعرف ما يشبهه، وما يختلف عنه، وما يسببه، وما ينتج عنه، متى يظهر، وأين يوجد.
وهكذا يمكن تلخيص الرحلة كلها في مسار بسيط: العالم – التجربة – التمييز – المفهوم – الكلمة والمعنى – العلاقات – المعرفة
مرة أخرى وكما في رحلة الكلمات فإن رحلة المعرفة لا تسير في اتجاه واحد إلى الأبد. فبعد أن تتكون اللغة والمعرفة، تبدأ كل واحدة منهما في التأثير في الأخرى. تمنحنا الكلمات القدرة على حفظ مفاهيمنا وتبادلها، بينما تجعل الخبرات الجديدة مفاهيمنا أكثر دقة، فتتغير معاني الكلمات وتتسع. ولهذا قد تبقى الكلمة نفسها معنا طوال العمر، بينما يتغير ما وراءها. فكلمة «البحر» عند الطفل ليست تمامًا البحر عند البحّار، وكلمة «الزمن» عند الإنسان العادي ليست الزمن نفسه في ذهن الفيزيائي. اللفظ واحد، لكن العالم الذي يفتحه في العقل أصبح أوسع.
الملخص أن شجرة الكلمة في شكلها الكامل شجرة جذورها في اللسان – حيث تتشكل الأصوات والألفاظ والكلمات – وجذعها هو الصلة بين الكلمة وما تستحضره في الذهن. أما أغصانها فهي المفاهيم التي نبنيها من تجاربنا، لتكتمل الصورة باعتبار ما يتشابك فوقها من علاقات بين تلك المفاهيم على أنه عالم المعرفة..


0 تعليق