يعتقد بعض المبتدئين في عالم الكتابة أن امتلاكهم ذكريات كثيرة، أو مرورهم بتجارب قاسية واستثنائية، يكفي لصنع أدبٍ جيد. والحقيقة أن التجربة، مهما كانت ثرية، ليست عملًا أدبيًا في ذاتها. فإذا وقع الكاتب في فخّ استعادة الماضي: ماذا حدث؟ من كان هناك؟ ماذا قيل؟ وكيف انتهى الأمر؟ فقد يجد نفسه يعيد سرد حياته كما لو كان يحرر محضرًا لما جرى، أو يدوّن يوميات قد تفقد بريقها مع الزمن.
فالكتابة الأدبية لا تحتاج دائمًا إلى وصف كل ما حدث، بقدر حاجتها إلى التقاط ما بقي في النفس من أثر جرّاء ما حدث.
الانطباع مفتاح الخيال
قد تسأل: ماذا نعني أدبيًا بهذا الأثر؟
لنفترض أنك زرت منزلًا قديمًا من الطين في وسط مدينة الرياض، ثم كتبت: «كان البيت مبنيًا من الطين، ونوافذه ضيقة.»
لقد وصفت البيت، لكنك لم تكتب بعدُ شيئًا عن تجربتك معه.
أما إذا قلت: «ما إن دخلت البيت المبني من الطين حتى انتابتني عبرة، وتذكرت جدتي التي عاشت عمرها في بيت يشبهه، ورفضت أن تغادره حتى ماتت.»
فقد تغير كل شيء. البيت هو البيت، لكنك انتقلت من وصف المكان إلى وصف وقع المكان فيك. ومن هنا يبدأ الانطباع، وتبدأ معه مخيلة القارئ في العمل.
خبايا الكتابة الانطباعية
تعيش الكتابة الانطباعية على التفاصيل الصغيرة: رائحة، ضوء، صوت، حركة عابرة، أو شيء مهمل في زاوية. فالكاتب لا يلتقط كل ما حوله، بل يلتقط ما حرّك شيئًا داخله.
وهذا ما نجده عند مارسيل بروست حين تتحول نكهة قطعة حلوى صغيرة إلى باب واسع يستعيد عبره عالم طفولته. ونراه عند نجيب محفوظ حين لا تبقى أزقة القاهرة مجرد خلفية للأحداث، بل تصبح أماكن مشبعة بالألفة والاختناق والذاكرة. ويظهر كذلك عند إرنست همنغواي حين يستطيع تفصيل صغير، أو صمت بين شخصيتين، أن يحمل من الشعور أكثر مما تحمله الكلمات نفسها.
فليست قيمة التفصيل في حجمه، بل في الأثر الذي يستطيع إيقاظه.
دائرة الانطباع والوصف
العلاقة بين الوصف والانطباع ليست طريقًا في اتجاه واحد. فالانطباع يثري الوصف، والوصف حين تمسه عصا الانطباع يولّد انطباعات جديدة؛ فتتشكل دائرة متصلة بين ما نراه وما نشعر به، وبين ما نشعر به وما نعود فنراه.
لهذا يستطيع الأديب أن يقف أمام مشهد عابر لا يتجاوز لحظات، ثم يخرج منه بصفحات كاملة. فهو لا يرى المشهد مرة واحدة، بل يراه بعينه، ثم بذاكرته، ثم بشعوره، ثم بخياله.وهنا يكمن الفرق بين الذكرى والانطباع. فالذكرى تقول: **هذا ما حدث. **أما الانطباع فيقول: هذا ما فعله بي ما حدث.
والكتابة الانطباعية تبدأ من شيء محسوس، وتعبر منه إلى شعور، ومن الشعور إلى ذكرى أو خيال أو معنى. إنها لا تقول للقارئ فقط: هذا ما رأيت، بل تحاول أن تجعله يرى ما رأيته حين مرّ من داخلك.
ولتعلم هذه الطريقة عمليًا، انتقل إلى درس: «الكتابة الانطباعية خطوة بخطوة».
0 تعليق