المعرفة وتوريثها (١)

بواسطة | أغسطس 13, 2026 | مقالات فكرية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

هب‭ ‬أنك‭ ‬أول‭ ‬إنسان‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬كوكب‭ ‬ما‭. ‬هناك،‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬ستشعر‭ ‬بأحاسيس‭ ‬ومشاعر‭ ‬خاصة؛‭ ‬إحساس‭ ‬بالثقل‭ ‬أو‭ ‬الخفة‭ ‬بحسب‭ ‬قوة‭ ‬الجاذبية،‭ ‬وإحساس‭ ‬بكثافة‭ ‬هواء‭ ‬مختلفة،‭ ‬وربما‭ ‬بالوحدة‭ ‬أو‭ ‬الوحشة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعرفها‭ ‬بشر‭ ‬من‭ ‬قبلك‭. ‬كيف‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬ستصف‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬والأحاسيس،‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬معارف،‭ ‬كمعرفة‭ ‬المشي‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬جاذبية‭ ‬ذلك‭ ‬الكوكب؟‭ ‬بالطبع‭ ‬ستحتاج‭ ‬وقتها‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬وتعابير‭ ‬خاصة‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬التجربة،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ ‬جديدة‭ ‬مبتكرة‭. ‬مفاهيم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تترابط‭ ‬بعلاقات‭ ‬لغوية‭ ‬وفكرية‭؛ ‬ هذا‭ ‬يسبب‭ ‬ذاك،‭ ‬هذا‭ ‬يشبه‭ ‬ذاك  ‬وذاك  ‬يسبق هذا‭ ‬أو‭ ‬يناقضه‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬يتطور‭ ‬ويترقى‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بخلفيتك‭ ‬اللغوية،‭ ‬ليتحول‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أبنية‭ ‬لغوية» ‬‭ ‬ترتب‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬على شكل ‭ ‬تحليل ‭ ‬أو ربما‭ ‬قصة،‭ ‬‭ ‬حجة،‭ ‬‭ ‬نظرية  ‬أو‭ ‬وصف‭ ‬متكامل‭.

 ‬وهكذا‭ ‬تصير‭ ‬اللغة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وعاء‭ ‬نسكب‭ ‬فيه‭ ‬المعرفة. ‬أقصد أنها تصبح‭ ‬أداة‭ ‬تمنح‭ ‬ما‭ ‬نعرفه‭ ‬شكلًا‭ ‬قابلًا‭ ‬للرؤية‭ ‬بالعقل أقصد‭ ‬شكلا‭ ‬‮«‬مجردا»‬‭ ‬ مكون‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬تحدد‭ ‬الأشياء،‭ ‬علاقات‭ ‬تصل‭ ‬بينها،‭ ‬وأبنية‭ ‬تضع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬مكانه‭. ‬

ملاحظة‭

‬من‭ ‬أهم‭ ‬ميزات‭ ‬التجريد‭ ‬أنه‭ ‬يجعل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬تجربة‭ ‬داخلية‭ ‬أمرًا‭ ‬قابلًا‭ ‬للوصف‭ ‬بالقول‭ ‬أو‭ ‬الكتابة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬قابلًا‭ ‬للنقل،‭ ‬النقد‭ ‬والتطوير في وقت لاحق‭.‬ (انظر الشرح المرفق)

لنعد‭ ‬لتجربة‭ ‬زيارة‭ ‬كوكب‭ ‬لم‭ ‬يزره‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬قبل‭.. ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬عودتنا‭ ‬ووصف‭ ‬التجربة؟‭ ‬نعم،‭ ‬فبمجرد‭ ‬أن‭ ‬نضعها‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬نبدأ‭ ‬بالنظر‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وكأننا‭ ‬نعيد‭ ‬اكتشافها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ارتداداتها‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬دوائرنا‭ ‬المعرفية‭. ‬وهكذا‭ ‬تصير‭ ‬اللغة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لنقل‭ ‬المعرفة‭. ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬إنها‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تصبح‭ ‬مرآة‭ ‬تعيد‭ ‬إلينا‭ ‬ما‭ ‬عشناه،‭ ‬فنراه‭ ‬بلغة‭ ‬‮«‬العقل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬بلغة‭ ‬التجربة‭. ‬ولغة‭ ‬العقل‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬وصف‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالثقافة‭ ‬واللغة‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها،‭ ‬تجعلنا‭ ‬ننتقي‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬مهمًا‭ ‬ممن‭ ‬عناصر‭ ‬التجربة،‭ ‬ثم‭ ‬نربط‭ ‬بين‭ ‬أجزائه‭ ‬بما‭ ‬نملك‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬والتحليل‭. ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬تكتشف‭ ‬أحيانًا‭ ‬فجوات‭ ‬أو‭ ‬مرتكزات‭ ‬لم‭ ‬نلاحظها‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬التجربة‭.‬

ملاحظة‭

‬تنبّه‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اللغة،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬من‭ ‬الرقي،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬احتواء‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بكل‭ ‬أبعادها؛‭ ‬فبعض‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬اليد‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬تقوله‭ ‬الكلمات‭. ‬لذلك‭ ‬نستطيع،‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التبسيط،‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬وصف‭ ‬للمعرفة‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬اختصار‭ ‬لها‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬لها‭.‬

المهم‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬معرفتنا‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬يولّد‭ ‬أمرًا‭ ‬معرفيًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يمكن‭ ‬مراجعته،‭ ‬وفحصه،‭ ‬وتطويره،‭ ‬وربما‭ ‬فهمه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكنًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نحاول‭ ‬وصفه‭.‬
(التكملة في المقال التالي)

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *