هب أنك أول إنسان يذهب إلى كوكب ما. هناك، بلا شك، ستشعر بأحاسيس ومشاعر خاصة؛ إحساس بالثقل أو الخفة بحسب قوة الجاذبية، وإحساس بكثافة هواء مختلفة، وربما بالوحدة أو الوحشة التي لم يعرفها بشر من قبلك. كيف يا ترى ستصف تلك المشاعر والأحاسيس، وما يرافقها من معارف، كمعرفة المشي تحت وطأة جاذبية ذلك الكوكب؟ بالطبع ستحتاج وقتها إلى كلمات وتعابير خاصة تولد من رحم التجربة، بل ربما إلى مفاهيم جديدة مبتكرة. مفاهيم سرعان ما تترابط بعلاقات لغوية وفكرية؛ هذا يسبب ذاك، هذا يشبه ذاك وذاك يسبق هذا أو يناقضه.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتطور ويترقى مدفوعًا بخلفيتك اللغوية، ليتحول سريعًا إلى «أبنية لغوية» ترتب تلك المفاهيم على شكل تحليل أو ربما قصة، حجة، نظرية أو وصف متكامل.
وهكذا تصير اللغة أكثر من مجرد وعاء نسكب فيه المعرفة. أقصد أنها تصبح أداة تمنح ما نعرفه شكلًا قابلًا للرؤية بالعقل أقصد شكلا «مجردا» مكون من أسماء تحدد الأشياء، علاقات تصل بينها، وأبنية تضع كل شيء في مكانه.
ملاحظة
من أهم ميزات التجريد أنه يجعل ما كان تجربة داخلية أمرًا قابلًا للوصف بالقول أو الكتابة، إضافة إلى كونه قابلًا للنقل، النقد والتطوير في وقت لاحق. (انظر الشرح المرفق)
لنعد لتجربة زيارة كوكب لم يزره إنسان من قبل.. ماذا يحدث بعد عودتنا ووصف التجربة؟ نعم، فبمجرد أن نضعها في كلمات نبدأ بالنظر إليها من الخارج، وكأننا نعيد اكتشافها من جديد، وكل ذلك حتى قبل أن نرى ارتداداتها على الآخرين من حولنا أو في دوائرنا المعرفية. وهكذا تصير اللغة أكثر من أداة لنقل المعرفة. في الحقيقة، إنها سرعان ما تصبح مرآة تعيد إلينا ما عشناه، فنراه بلغة «العقل» لا بلغة التجربة. ولغة العقل هنا هي وصف لجملة من التقنيات المرتبطة بالثقافة واللغة التي ننتمي إليها، تجعلنا ننتقي ما نراه مهمًا ممن عناصر التجربة، ثم نربط بين أجزائه بما نملك من قدرات على الربط والتحليل. مما يجعلنا تكتشف أحيانًا فجوات أو مرتكزات لم نلاحظها ونحن في وسط التجربة.
ملاحظة
تنبّه هنا إلى أن اللغة، مهما بلغت من الرقي، لا تستطيع احتواء التجربة الإنسانية بكل أبعادها؛ فبعض ما تعرفه اليد يصعب أن تقوله الكلمات. لذلك نستطيع، بشيء من التبسيط، أن نقول إن كل وصف للمعرفة هو، في الوقت نفسه، اختصار لها وإعادة تشكيل لها.
المهم أن ندرك أن وضع معرفتنا في كلمات يولّد أمرًا معرفيًا جديدًا يمكن مراجعته، وفحصه، وتطويره، وربما فهمه على نحو لم يكن ممكنًا قبل أن نحاول وصفه.
(التكملة في المقال التالي)
0 تعليق