أصناف المفاهيم
للتبسيط، يمكن تقسيم المفاهيم إلى صنفين رئيسيين:
مفاهيم متفق عليها
مفاهيم مبتكرة
أولًا: المفاهيم المتفق عليها
وهي المفاهيم العامة التي يتفق البشر على وجودها، وإن اختلفوا في تفسيرها وحدودها. مثل: العدل، والحب، والخوف، وغيرها. فالناس يتفقون غالبًا على أن «العدل» موجود بوصفه مطلبًا إنسانيًا، لكنهم قد يختلفون في معناه: هل هو المساواة؟ أم إعطاء كل ذي حق حقه؟ أم رفع الظلم؟ أم تحقيق الإنصاف، حتى لو لم تتحقق المساواة الشكلية؟ وبهذا المعنى، يكون المفهوم الواحد مشتركًا ومتفقًا على وجوده، حتى وإن اختلف الناس في طبيعته وحدوده.
ثانيًا: المفاهيم المبتكرة
وهي المفاهيم التي تظهر أثناء التفكير، أو الكتابة، أو التصميم، أو بناء منتج، أو تفسير تجربة جديدة. وهذه المفاهيم لا تكون جاهزة دائمًا في اللغة أو الثقافة، بل نحتاج أحيانًا إلى نحتها، أو تركيبها، أو إعادة صياغتها. وهنا نعود إلى التمييز بين الفهم والمفهوم، وهو ما تحدثنا عنه في المقال السابق. ويمكن تلخيص ذلك بالقول إن الفهم هو علاقتنا بفكرة ما، أما المفهوم فهو الفكرة نفسها حين تُصاغ بصورة يمكن التفكير فيها، ومناقشتها، وتطويرها. أو بعبارة أخرى: المفهوم هو ما نحاول فهمه، والفهم هو الطريقة التي نراه بها أو نتعامل معه من خلالها.
لذلك قد يكون لدينا مفهوم واحد مثل «الزمن»، لكن لكل إنسان فهمه الخاص له. فالطفل قد يفهم الزمن من خلال الانتظار، والمسنّ من خلال الفقد، والعامل من خلال الساعة، والعاشق من خلال البطء أو السرعة. الزمن هنا مفهوم واحد، لكن الأفهام التي تتشكل حوله متعددة.
كيف نرى المفهوم بصريًا؟
لتقريب موضوع المفاهيم المبتكرة وصناعتها أكثر، لنتحدث عنها بطريقة بصرية.
لنفترض أنك تريد أن ترسم لوحة تعبّر عن مفهوم «الذاكرة». بالطبع، لن ترسم لوحة كُتبت عليها كلمة «ذاكرة»؛ فهذا شرح لغوي لا تعبير بصري. بدلًا من ذلك، يمكنك أن ترسم غرفة قديمة، ونافذة نصف مفتوحة، وغبارًا ظاهرًا في حزمة ضوء، وكرسيًا فارغًا، وصورة معلّقة بدأت ملامحها تتلاشى. بهذه العناصر، لا تكون قد شرحت الذاكرة، بل جعلتها تُحسّ. لم تمسكها باليد، لكنك منحتها أثرًا بصريًا. هنا يتحول المفهوم من فكرة مجردة إلى تجربة قابلة للشعور.
والأمر نفسه ينطبق على مفاهيم أخرى؛ فالخوف يمكن أن يظهر في ممر طويل مظلم، والفقد في كرسي فارغ، والزمن في جدار متشقق، والحيرة في طرق متفرعة لا تقود إلى نهاية واضحة.
من الفهم إلى المفهوم
من كل ما سبق، يمكن أن نقول إن الفهم تجربة داخلية، أما المفهوم فهو محاولة لتنظيم هذه التجربة في صورة قابلة للمشاركة. فحين يشعر الإنسان بشيء ولا يستطيع تسميته، يكون في منطقة الفهم الغامض. وحين ينجح في التقاط هذا الشعور، وتحديد عناصره، وربطه بغيره، ومنحه اسمًا أو صورة أو تعريفًا، يكون قد بدأ في صناعة «مفهوم». ولهذا فإن تطوير المفاهيم ليس عملًا نظريًا بعيدًا عن الحياة، بل هو طريقة في رؤية العالم. ومن يملك قدرة أفضل على بناء المفاهيم، يستطيع أن يرى العلاقات الخفية بين الأشياء، وأن يبتكر أسماءً وصورًا ونماذج لما كان مبعثرًا أو غير مرئي.
خاتمة
المفاهيم ليست ترفًا لغويًا، بل أدوات لفهم العالم وإعادة تشكيله بلغة حسية ملموسة. وبقدر ما نطوّر قدرتنا على تمييزها وبنائها، نطوّر قدرتنا على التفكير، والابتكار، والتعبير.
أما عملية «الفهومة»، فلا تعدو أن تكون محاولة للقبض على تلك العملية: كيف ننتقل من الإحساس الغامض إلى الفكرة الواضحة، ومن الفكرة الواضحة إلى المفهوم القابل للتداول، ومن المفهوم إلى أداة يمكن أن تغيّر طريقة رؤيتنا للأشياء. فالعالم لا يتغير بالأشياء وحدها، بل يتغير أيضًا بالطريقة التي نسمّي بها الأشياء، ونفهمها، ونحوّلها إلى مفاهيم.
0 تعليق