الفهومة أو صناعة المفاهيم (٢)

بواسطة | يونيو 4, 2026 | فهومة (concept creation) | 0 تعليقات

Play Sound

أصناف المفاهيم

للتبسيط، يمكن تقسيم المفاهيم إلى صنفين رئيسيين:

مفاهيم متفق عليها

مفاهيم مبتكرة

 

أولًا‭: ‬المفاهيم‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭ ‬

وهي‭ ‬المفاهيم‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬يتفق‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬وجودها،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفوا‭ ‬في‭ ‬تفسيرها‭ ‬وحدودها‭. ‬مثل‭: ‬العدل،‭ ‬والحب،‭ ‬والخوف،‭ ‬وغيرها‭. ‬فالناس‭ ‬يتفقون‭ ‬غالبًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العدل‮»‬‭ ‬موجود‭ ‬بوصفه‭ ‬مطلبًا‭ ‬إنسانيًا،‭ ‬لكنهم‭ ‬قد‭ ‬يختلفون‭ ‬في‭ ‬معناه‭: ‬هل‭ ‬هو‭ ‬المساواة؟‭ ‬أم‭ ‬إعطاء‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬حق‭ ‬حقه؟‭ ‬أم‭ ‬رفع‭ ‬الظلم؟‭ ‬أم‭ ‬تحقيق‭ ‬الإنصاف،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬المساواة‭ ‬الشكلية؟‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يكون‭ ‬المفهوم‭ ‬الواحد‭ ‬مشتركًا‭ ‬ومتفقًا‭ ‬على‭ ‬وجوده،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬اختلف‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬طبيعته‭ ‬وحدوده‭.‬

ثانيًا‭: ‬المفاهيم‭ ‬المبتكرة

وهي‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬أثناء‭ ‬التفكير،‭ ‬أو‭ ‬الكتابة،‭ ‬أو‭ ‬التصميم،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬منتج،‭ ‬أو‭ ‬تفسير‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭. ‬وهذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬جاهزة‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬الثقافة،‭ ‬بل‭ ‬نحتاج‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬نحتها،‭ ‬أو‭ ‬تركيبها،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها‭. ‬وهنا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الفهم‭ ‬والمفهوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭. ‬ويمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬ذلك‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الفهم‭ ‬هو‭ ‬علاقتنا‭ ‬بفكرة‭ ‬ما،‭ ‬أما‭ ‬المفهوم‭ ‬فهو‭ ‬الفكرة‭ ‬نفسها‭ ‬حين‭ ‬تُصاغ‭ ‬بصورة‭ ‬يمكن‭ ‬التفكير‭ ‬فيها،‭ ‬ومناقشتها،‭ ‬وتطويرها‭. ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭: ‬المفهوم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نحاول‭ ‬فهمه،‭ ‬والفهم‭ ‬هو‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نراه‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬نتعامل‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬خلالها‭.‬

لذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مفهوم‭ ‬واحد‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الزمن‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬فهمه‭ ‬الخاص‭ ‬له‭. ‬فالطفل‭ ‬قد‭ ‬يفهم‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانتظار،‭ ‬والمسنّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفقد،‭ ‬والعامل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الساعة،‭ ‬والعاشق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البطء‭ ‬أو‭ ‬السرعة‭. ‬الزمن‭ ‬هنا‭ ‬مفهوم‭ ‬واحد،‭ ‬لكن‭ ‬الأفهام‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬حوله‭ ‬متعددة‭.‬

كيف‭ ‬نرى‭ ‬المفهوم‭ ‬بصريًا؟

لتقريب موضوع‭ ‬المفاهيم المبتكرة  ‬وصناعتها‭ ‬أكثر، لنتحدث عنها‭ ‬بطريقة‭ ‬بصرية‭. ‬

لنفترض‭ ‬أنك‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬لوحة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الذاكرة‮»‬‭. ‬بالطبع،‭ ‬لن‭ ‬ترسم‭ ‬لوحة‭ ‬كُتبت‭ ‬عليها‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬ذاكرة»؛‭ ‬فهذا‭ ‬شرح‭ ‬لغوي‭ ‬لا‭ ‬تعبير‭ ‬بصري‭. ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬غرفة‭ ‬قديمة،‭ ‬ونافذة‭ ‬نصف‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وغبارًا‭ ‬ظاهرًا‭ ‬في‭ ‬حزمة‭ ‬ضوء،‭ ‬وكرسيًا‭ ‬فارغًا،‭ ‬وصورة‭ ‬معلّقة‭ ‬بدأت‭ ‬ملامحها‭ ‬تتلاشى‭. ‬بهذه‭ ‬العناصر،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬شرحت‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بل‭ ‬جعلتها‭ ‬تُحسّ‭. ‬لم‭ ‬تمسكها‭ ‬باليد،‭ ‬لكنك‭ ‬منحتها‭ ‬أثرًا‭ ‬بصريًا‭. ‬هنا‭ ‬يتحول‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬مجردة‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬قابلة‭ ‬للشعور‭.‬

والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى؛‭ ‬فالخوف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬ممر‭ ‬طويل‭ ‬مظلم،‭ ‬والفقد‭ ‬في‭ ‬كرسي‭ ‬فارغ،‭ ‬والزمن‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬متشقق،‭ ‬والحيرة‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬متفرعة‭ ‬لا‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬واضحة‭.‬

من‭ ‬الفهم‭ ‬إلى‭ ‬المفهوم

من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الفهم‭ ‬تجربة‭ ‬داخلية،‭ ‬أما‭ ‬المفهوم‭ ‬فهو‭ ‬محاولة‭ ‬لتنظيم‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬قابلة‭ ‬للمشاركة‭. ‬فحين‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بشيء‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬تسميته،‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الفهم‭ ‬الغامض‭. ‬وحين‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬هذا‭ ‬الشعور،‭ ‬وتحديد‭ ‬عناصره،‭ ‬وربطه‭ ‬بغيره،‭ ‬ومنحه‭ ‬اسمًا‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬تعريفًا،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬‮«‬مفهوم‮»‬‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬تطوير‭ ‬المفاهيم‭ ‬ليس‭ ‬عملًا‭ ‬نظريًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬العالم‭. ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬قدرة‭ ‬أفضل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المفاهيم،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬العلاقات‭ ‬الخفية‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬وأن‭ ‬يبتكر‭ ‬أسماءً‭ ‬وصورًا‭ ‬ونماذج‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬مبعثرًا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭.‬

خاتمة

المفاهيم‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬لغويًا،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيله‭ ‬بلغة‭ ‬حسية‭ ‬ملموسة‭. ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬نطوّر‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬تمييزها‭ ‬وبنائها،‭ ‬نطوّر‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬التفكير،‭ ‬والابتكار،‭ ‬والتعبير‭.‬

أما‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬الفهومة‮»‬،‭ ‬فلا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محاولة‭ ‬للقبض‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭: ‬كيف‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭ ‬الغامض‭ ‬إلى‭ ‬الفكرة‭ ‬الواضحة،‭ ‬ومن‭ ‬الفكرة‭ ‬الواضحة‭ ‬إلى‭ ‬المفهوم‭ ‬القابل‭ ‬للتداول،‭ ‬ومن‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغيّر‭ ‬طريقة‭ ‬رؤيتنا‭ ‬للأشياء‭. ‬فالعالم‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬بالأشياء‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يتغير‭ ‬أيضًا‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬نسمّي‭ ‬بها‭ ‬الأشياء،‭ ‬ونفهمها،‭ ‬ونحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭.‬

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *