لنصنع بيئة أدبية جديدة (٢)

بواسطة | أغسطس 24, 2026 | مقالات فكرية عامة | 0 تعليقات

Play Sound

استكمالا للجزء الأول من مقال لنصنع بيئة أدبية جديدة (١)

لنبدأ بالهدف، ولنقل إنه: التوقف عن محاولة صنع الأدباء، والتركيز على خلق البيئة الحاضنة التي يمكن أن ينبتوا فيها.

البيئة الحاضنة

لنعد إلى القصة التي ذكرناها في القسم الأول لنكشف شيئًا من طبيعة البيئة التي صنعها أبو جابر له، رغم عدم اهتمامه الظاهر بالأدب. فالأمر كله بدأ بــ الفضول المعرفي الذي لا بد أن أباه قد استثاره فيه في وقت سابق. الفضول الذي أخرجه من المنزل بحثًا عن «أدب» لا يعرف له شكلًا أو هيئة. فكانت وقفته الأولى أمام العامل الذي يكنس الشارع والطفل الذي يقفز على بركة الماء. مشهد لا بد أنه تكرر أمامه عشرات المرات من قبل، لكنه فجأة أصبح مشهدًا يستحق الوقوف عنده. فكانت لحظة انتباه ويقظة داعبت مخيلته، ويسرت انتقاله من الرؤية إلى الإحساس عندما هطل المطر. فتغير، بلا مقدمات، شيء ما داخله، وصارت الأشياء تترك فيه أثرًا نفسيًا لم يعرفه من قبل.

بعد الإحساس جاء التفكير، عندما بدأ يتساءل: لماذا يقاوم العامل الريح؟ لماذا نكرر حياتنا كل صباح؟ وماذا يوجد خلف الأشياء التي تبدو عادية؟ فحضرت اللغة لتسعفه في وصف ما انتبه إليه، أحس به، ثم فكر فيه؛ إذ إن عبارة بسيطة مثل «رجل يكنس الشارع» لم تعد كافية لوصف التجربة. فداعب التجربة بأدوات اللغة، فظهرت له صورة متخيلة أصبحت فيها الريح والعامل خصمين في معركة صغيرة.

وعندما أسرع بتسجيل الكلمات في دفتره، ظهر التعبير؛ أي قدرته على نقل ما حدث داخله إلى إنسان آخر.

ونخرج من القصة بأن اجتماع هذه العناصر: فضول، انتباه، إحساس، تفكير، لغة، تعبير؛ عادة ما يمهد الطريق إلى ذلك المفهوم الأوسع الذي نسميه «الأدب».

لفتة

قصة المراهق جابر قصة تختزل جهد سنين من العمل، والخطوات المذكورة أعلاه لا تحدث في يوم واحد، ولا بالضرورة بالتتابع المذكور. القصة ليست إلا وسيلة لتوحيد المتجه وتركيز الجهد.

لنصنع الإنسان قبل محاولة صنع الكاتب

إذا أردنا بيئة أدبية حقيقية لأطفالنا ومراهقينا، فلا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: كيف نجعلهم يكتبون؟ السؤال الأهم هو: كيف نستثير فضولهم المعرفي لعلهم ينتبهون ويرون؟ متذكرين أن الأديب ليس مجرد إنسان يجيد ترتيب الكلمات. إنه إنسان اكتسب حساسية خاصة تجاه الحياة، ثم وجد في اللغة أداة تمنحه القدرة على نقل هذه الحساسية إلى الآخرين.

نصائح تربوية مفيدة

لو طلب منا شخص بعض النصائح في تنشئة الأديب فسنقول له:

١. خذ الناشئ إلى الطبيعة، ولا تطلب منه أن يكتب موضوعًا عنها؛ دعه يلاحظ أولًا. اعرض عليه لوحة، ولا تسأله عن اسم الفنان وتاريخ المدرسة الفنية فقط؛ اسأله عما شعر به. اقرأ معه قصة، ثم لا تجعل سؤالك دائمًا: ماذا حدث؟ بل اسأله: لماذا فعل البطل ذلك؟ وهل كان يستطيع أن يتصرف بطريقة أخرى؟ وما الشخصية التي أغضبتك؟ ولماذا؟

٢. امنحه أيضًا حق أن يقول كلامًا ناقصًا، وأن يكتب جملة ركيكة، وأن يختار كلمة ليست الأفضل. فلا تسارع إلى التصحيح قبل أن يكتمل صوته. يمكن تهذيب اللغة لاحقًا، أما الحساسية فإن خُنقت في بدايتها فقد يصعب استعادتها.

٣. في البيئة الأدبية المعتبرة، كثرة القراءة وتحصيل المفردات ليست هدفًا في ذاتها. الهدف أن تصبح جميعها أجزاء من رحلة واحدة غايتها توسيع الوعي وتعميق التجربة الإنسانية.

٤. الأدب أمر، والحرفة ومهارات التعبير أمر آخر؛ فالأدب يهب الإنسان القدرة على رؤية الجمال والتحسس لدقائق الأمور، و«الحرفة» تساعده على أن يمنح ما رآه شكلًا يستطيع الآخرون أن يروه معه. لذلك لا تركز كثيرا على عملية الكتابة والتعبير واتركها تآتي عندما تأتي حتى إن رغبت في تعليمه الحرفة.

الملخص العام أن الأديب لا يولد مكتملًا، كما أن النبوغ لا يغني عن التنشئة. الشخصية الأدبية تنمو ببطء وبصورة عضوية، في بيئة فيها كتب وحكايات وفنون، ولكن فيها أيضًا حياة وأسئلة وتجارب ووقت كافٍ للتأمل.

لم يجد جابر في ذلك اليوم كنزًا مدفونًا، ولم يعد أديبًا حين غربت الشمس. لكنه عاد إلى بيته بعين بدأت تنتبه، ونفس بدأت تشعر، وعقل بدأ يسأل، ولغة تحاول أن تقول.

وهذه، ربما، هي نهاية الماقال  والبداية التي نبحث عنها كمجتمع. فنحن، وكما قلنا سابقًا، لا نستطيع صنع الأدباء، لكننا نستطيع خلق البيئة الحاضنة التي يمكن أن ينبتوا فيها.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *