متاهة وادي الـمعــــــــرفة

المتاهة التي ‭ ‬يتعلّم‭ ‬الإنسان فيها‭ ‬أن‭ ‬الحكمة‭ ‬تبدأ‭ ‬حين‭ ‬ينحني‭  ‬العقل تواضعاً‭ ‬أمام‭ ‬المجهول.

في الرسائل أدناه، عرضتُ تصوّري العام عن المعرفة واكتسابها. وسأكمل الشرح في وادي الوجدان عن الطريقة التي حوّلتُ بها هذا التصوّر إلى أسلوب حياة، ثم إلى مصدر بديع للإلهام.

ابني العزيز،

تحية لك من أرض الواق واق، والتي تُسمّى في عصرنا جزر موريشيوس.

وبعد التحية،

في رسالتك السابقة طلبتَ مني أن أشرح لك ببساطة طريقي في البحث عن المعرفة. وحيث إنني في الطريق أتنقّل بين جزر المحيط، فسأرسل إليك في الأيام التالية سلسلة من الكروت التي سأشرح لك فيها ما أعرفه، والله وليّ التوفيق.

الكرت الأول

طلبُ المعرفة ليس طلبًا للعلم، فتنبه. طلبُ العلم يتطلب الجلوس والدراسة، مستخدمًا العقل والمنطق، ويعتمد على التجريد أكثر من التجربة.

أما المعرفة، فهي أن تخلط بنسبة متكافئة بين ما تتعلمه وما تجربه. فإجادة تشغيل أي آلة معرفة، وتطوير مهارات الحياكة أو الطبخ أو ما إلى ذلك، كلها معارف. وما استخدام كلمة «تعلّم» معها إلا من قبيل التبسط.

الكرت الثاني

المعرفة كلمة تشمل كل ما تعلمناه كجنس بشري؛ فلا تحاول أن تتعرّف إلى كل شيء فتتشتت. اترك فضولك وحاجتك ليقوداك. المهم أن تدرك أن التعرّف لا يعني الفهم، ولا يُقاس بكمّ المعلومات، بل بالقدرة على تحويل ما تتعلّمه إلى مهارة عملية.

الكرت الثالث

انظر إلى أي طفل، وكيف يلمس الأشياء ويتذوقها، وكيف يصبح بارعًا في استخدام كل لعبة يقتنيها. إنه أفضل معلّم لك لتعرف كيف تكتسب المعرفة.

لاحظ تركيزه على ما يريد تعلّمه، مثل ركوب الدراجة. ولاحظ كيف يسمع الإرشادات ثم يهملها، ويبدأ في تطوير طريقته وأسلوبه الخاص في اكتساب تلك المعرفة.

الكرت الرابع

تنبّه لبائعي الوهم. فمن يقول لك إنك تستطيع أن تكتسب أي مهارة خلال ساعات أو أيام، فهو كاذب.

اكتساب المعرفة يتطلب كثيرًا من الوقت والمصابرة. فالمعرفة، كما قلنا، ليست معلومة تتلقفها، بل أمر يشبه إعادة برمجة العقل البشري.

الكرت الخامس

أخيرًا، المعرفة، كما قلت، فيها من المهارة أكثر مما فيها من تلقف المعلومات. والمهارة بطبيعتها أمر يُكتسب بتحديد الأهداف، ثم المداومة، وكثرة المران. لذلك فأهل الحرف يقسمون الطريق لاكتساب أي مهارة إلى مراحل يمكن اختبارها.

ثم تنبّه إلى أن وضع أهداف أكبر من قدراتك يعني الفشل والإحباط.

أخيرا،
وما دمنا قد ولجنا باب المعرفة والمعارف، فلا بدّ أن الفضول قد ساورك أيها الزائر لمعرفة كيف انتهينا إلى بناء هذا الصرح الأدبي الذي بين يديك؟
وللإجابة عن ذلك، أضفنا إلى هذا الموقع مدوّنةً أفردنا فيها، بلغة مباشرة وبسيطة، عددًا من المقالات التي تكشف ثلاث رحلات متداخلة: رحلتنا مع التعبير الكتابي، ورحلتنا مع الفهومة، ثم رحلتنا في تحويل تجربتنا الطويلة مع السفر، داخلًا وخارجًا، إلى مادة حيّة للكتابة والتأمل.

فلا تنسَ أن تزورنا هناك؛ فربما وجدتَ في تلك الصفحات ما يضيء لك شيئًا من الطريق الذي أوصلنا إلى هنا.

tooltip text
الأطلس
للأمام
للخلف

©‮ ‬حقوق‭ ‬الطبع‭ ‬والنشر‭ ‬محفوظة‭ ‬‮ ٦٢٠٢‬م‭ – ‬الشادي‭ ‬سعود‭ ‬الحركان