الشادي سعود الحركان

الاسم كاملًا:
سعود محمد علي الحركان

المولد:
جدة، ١٩٦١م

الحالة الاجتماعية:
متزوج، وله ولد وبنت

مكان الإقامة:
عاش معظم أيام حياته متنقّلًا في أرجاء المعمورة، وقضى سبعة عشر عامًا في جزيرة موريشوس، ويقيم حاليًا بين الرياض ودولة الإمارات العربية المتحدة.

الاهتمامات:
الكتابة، والتربية، وعدد من الهوايات اليدوية

اللقب:
الشادي، ويعني عند القدماء طالب العلم والأدب

Play Sound

ابن الصحراء

 

أنا‭ ‬ابنُ‭ ‬الصحراء‭ ‬؛‭ ‬وفيها‭ ‬تشكّلت‭ ‬مخيلتي،‭ ‬ومن‭ ‬أفقها‭ ‬المفتوح‭ ‬استمدّ‭ ‬خيالي‭ ‬أبعاده‭ ‬الأولى،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬مخيلتي،‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬وكثافة‭ ‬التجربة،‭ ‬مسرحًا‭ ‬لا‭ ‬يكفّ‭ ‬عن‭ ‬إنجاب‭ ‬الصور‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إطارًا‭ ‬ساكنًا،‭ ‬بل‭ ‬خشبةً‭ ‬واسعة‭ ‬تقف‭ ‬عليها‭ ‬شخصيات‭ ‬بديعة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬نائية‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬عنها‭ ‬الناس‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭.‬

لكني‭ ‬لم‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المخيلة‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬مضيت‭ ‬أطرق‭ ‬أبواب‭ ‬المعرفة‭ ‬بالسفر،‭ ‬والتجوال،‭ ‬والبحث‭ ‬العميق‭ ‬عمّا‭ ‬يختبئ‭ ‬وراء‭ ‬التجارب‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬أسرار‭. ‬درست‭ ‬علوم‭ ‬العصر،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تُطفئ‭ ‬عطشي،‭ ‬فرحتُ‭ ‬أبحث‭ ‬في‭ ‬أسرار‭ ‬الحسّ‭: ‬الطعم،‭ ‬واللون،‭ ‬والرائحة،‭ ‬والملمس،‭ ‬والصوت‭. ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬أخذتني‭ ‬الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬أصقاع‭ ‬بعيدة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬؛‭ ‬لا‭ ‬بحثًا‭ ‬عمّا‭ ‬لم‭ ‬يكتشفه‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬عمّا‭ ‬يعرفه‭ ‬الكبير‭ ‬والصغير،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬منسية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب‭.‬

كانت‭ ‬لي‭ ‬حكايات‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬أرض‭ ‬البهارات،‭ ‬وفي‭ ‬جزر‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬حيث‭ ‬تُزرع‭ ‬زهور‭ ‬الإيلنغ‭ ‬إيلنغ،‭ ‬وفي‭ ‬مدغشقر،‭ ‬الأرض‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬تسكنها‭ ‬أشجار‭ ‬الباوباب‭ ‬الضخمة‭ ‬وقرود‭ ‬الليمور‭ ‬الخفية‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬أنا‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬ابناً‭ ‬لعصري‭. ‬فقد‭ ‬درست‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬عرفت‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬حبيس‭ ‬عقله‭. ‬وبعد‭ ‬حصولي‭ ‬على‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية،‭ ‬تنقّلت‭ ‬بين‭ ‬مجالات‭ ‬عملية‭ ‬وحرفية‭ ‬عدة‭. ‬وفي‭ ‬موازاة‭ ‬اشتغالي‭ ‬بالكتابة،‭ ‬كانت‭ ‬لي‭ ‬جولات‭ ‬متقطعة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬والنشر،‭ ‬وفي‭ ‬أعمال‭ ‬يدوية‭ ‬وحرفية‭ ‬أخرى،‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬النجارة‭ ‬؛‭ ‬تلك‭ ‬الحرفة‭ ‬التي‭ ‬أعشقها،‭ ‬وأجد‭ ‬فيها‭ ‬شكلًا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التأمل‭ ‬والصبر‭ ‬وبناء‭ ‬المعنى‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافيًا‭ ‬لإشباع‭ ‬فضولي‭ ‬وقلقي‭. ‬فمضيت‭ ‬أبحث‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفي‭ ‬السمات‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬البشر‭. ‬فكان‭ ‬لي‭ ‬لقاء‭ ‬مع‭ ‬معارف‭ ‬خاصة‭ ‬تُسمّى‭ ‬معارف‭ ‬الوجدان‭ ‬؛‭ ‬تلك‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬تنشغل‭ ‬بالأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭: ‬من‭ ‬نحن؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬نخافه؟‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬نحن،‭ ‬كجنس‭ ‬بشري،‭ ‬ماضون؟

وهكذا‭ ‬امتزج‭ ‬البحث‭ ‬الخارجي‭ ‬بالرحلة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتولّدت‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬حيرة‭ ‬خصبة‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬شخصيات‭ ‬رواياتي‭ ‬الفضولية‭ ‬القلقة،‭ ‬وفي‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬اخترتها‭ ‬بعناية،‭ ‬وفي‭ ‬الكائنات‭ ‬المؤنسنة‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬أعمالي،‭ ‬حاملةً‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬الإنسان‭ ‬وضعفه‭.‬

ولو‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬شخص‭ ‬وصف‭ ‬أسلوب‭ ‬الشادي‭ ‬‭)‬كأنه‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ (‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬ببساطة،‭ ‬فسأقول،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬الحيادية‭:‬‭ ‬إنَّ‭ ‬كتاباته‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬عوالم‭ ‬غرائبية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬رومانسي‭ ‬خاص‭ ‬؛‭ ‬عوالم‭ ‬تسكنها‭ ‬شخصيات‭ ‬شغوفة،‭ ‬بديعة،‭ ‬وقلقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬سلطان‭ ‬يعشق‭ ‬وردة،‭ ‬وطيور‭ ‬تتحارب‭ ‬بنوازع‭ ‬البشر،‭ ‬وظلّ‭ ‬يتكلم‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬تظهر،‭ ‬أحيانًا،‭ ‬كائنات‭ ‬مؤنسنة‭ ‬تحمل‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ورمزيته،‭ ‬وتوقه‭ ‬الدائم‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭. ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬ذكر‭ ‬أنَّ‭ ‬تلك‭ ‬العوالم‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬بوصفها‭ ‬هروبًا‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬مرآة‭ ‬أخرى‭ ‬له‭ ‬؛‭ ‬مرآة‭ ‬أكثر‭ ‬حرية،‭ ‬وأشد‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬ما‭ ‬تخفيه‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭. ‬لذلك‭ ‬تصبح‭ ‬أحداث‭ ‬رواياته‭ ‬أبوابًا‭ ‬لفهم‭ ‬الإنسان‭: ‬خوفه،‭ ‬وحبه،‭ ‬وضياعه،‭ ‬وبحثه‭ ‬المتواصل‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المتغيرات‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭.‬

©‮ ‬حقوق‭ ‬الطبع‭ ‬والنشر‭ ‬محفوظة‭ ‬‮ ٦٢٠٢‬م‭ – ‬الشادي‭ ‬سعود‭ ‬الحركان